الاثنين، مارس 05، 2012

ولّا رسالة يا هاجر ..



 تتعثر قدم "سالم" بعتبة باب مكتب البريد .. يبدو أن قدمه سئمت هذا المشوار اليومي وتحاول عبثاً أن تمنعه من إكمال طريقه الممل .. فعلى الرغم من أن مكتب البريد لا يبعد كثيراً عن منزله، إلا أن تكرار هذا المشوار خلال الأيام الماضية كافٍ لأن يبعث الملل والكآبة والعصيان إلى قدمه ..

بعد أن تماسك وسيطر على توازنه .. نظر حوله ليتأكد: هل شهد عثرته شاهد؟ عامل النظافة هناك، على بعد أمتار قليلة يحاول أن يخفي ضحكته  دون جدوى .. سالم يتجاهل وجود العامل ويوجه نظره إلى العتبة خلفه .. ثم يُتْبِعُها بنظرة عتب إلى قدمه ويواصل خطواته بحذر .. يدخل إلى المكتب بخطى ثقيلة وملامح لا توحي بشيء أبداً ..

يقبع صندوق سالم في ركنٍ بعيد ومعتم .. المنسيون وحدهم من يحرص على الأماكن المعتمة فهي تخفي ردات فعلهم المُحبَطة !! يفتح "سالم" صندوق البريد .. الصندوق فارغ كالعادة!!! يخرج ويحمل معه هماً أكبر وتنهيداً أكثر ورائحة غبارٍ ساكن .. يحمل معه الكثير إلا تلك الرسالة!

حفظ سالم أرقام الصناديق، وأماكنها .. عرف أسماء الموظفين هناك وأوقات دوامهم ..  حفظ عدد تلك التعرجات التي رسمها الزمن على جبين أبو حسين، موظف البريد .. يعرف الكثير عن ذلك المكتب ، ولكنه لم يعرف بعد محتوى رسالته المنتظرة!

 الليل والنهار بالنسبة لسالم سواء .. أيامه تتشابه، ليست حزينة .. ولكنها بعيدة كل البعد عن الفرح … يرى اللون الرمادي على مد البصر ..  

سالم .. يعشق أبو نورة كثيراً ، ولكنه ساخط عليه هذه الأيام .. لعنه كما لم يلعنه من قبل .. يسمعه يغنّي: "لا تردين الرسايل وش أسوي بالورق؟!" .. فيلعنه أكثر !! لا يأبه بخصوصية حال العشاق ، بالهجر والفراق ولا بالذكريات المؤلمة .. لا يهمه سوى تلك الرسالة ، كومة الورق.


 في مساء ذلك اليوم .. يقرأ سالم في أحد الكتب قول انشتاين بأن الجنون هو أن تفعل نفس الشيء كل يوم وتتوقع نتيجة مختلفة .. ويوقن تماماً أن فعل الانتظار وحده يكسر هذه القاعدة … يفكر في حاله، فيكتشف أن الانتظار فعلٌ مستمر يرافقه حتى في نومه بل حتى في لحظات تفكيره هذه .. يواصل تفكيره، فيكتشف أن الانتظار هو الفعل الوحيد الذي يمكن القيام به بإتقان في نفس الوقت الذي يقوم فيه بأي شيءٍ آخر ... يحاول فلسفة الموضوع أكثر، فيجد أن الغربة والشوق والفراق كلها وجه لعملةٍ واحدة وجهها الآخر هو الانتظار!!

مثل كل أيامه الماضية .. ذهب سالم في صباح اليوم التالي إلى مكتب البريد .. في طريقه يلاحظ أن المكان خالٍ على غير العادة .. على بعد خطوات من المدخل لاحظ أن الباب مقفل .. أدخل يده في جيبه ليتأكد من ساعة جواله .. الساعة تجاوزت التاسعة بدقائق !! نظر إلى اللوحة القريبة من الباب: "ساعات العمل من الثامنة صباحاً حتى الخامسة عصراً كل أيام الأسبوع ما عدا يوم الجمعة" .. أعاد نظره إلى جواله .. اليوم جمعة !!!

إلتفت سالم إلى عتبة المدخل بأسى .. نفض الغبار عنها وجلس .. ثم بدأ يردد مع صوت الأرض : "لا قلت باكر صار أمس .. وتمر بي شمسٍ وشمس .. أرجوك علمني ، متى وعدك متى؟!"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق